
تتجه أسواق المال الأوروبية نحو مواجهة جديدة بين البورصات الوطنية والبنوك الاستثمارية الكبرى، مع اقتراب الاتحاد الأوروبي من مناقشة إصلاحات واسعة لقواعد الأسواق المالية، وسط خلاف حاد حول مستقبل تداول الأسهم خارج المنصات العامة.
وبحسب تقرير نشره موقع “بوليتيكو”، تسعى البورصات الأوروبية إلى استعادة دورها في توجيه الاستثمارات نحو الشركات، في وقت تحاول فيه الحكومات تعزيز قدرة اقتصاداتها وجعل أسواق المال الأوروبية أكثر جاذبية. ومن المقرر أن يبحث وزراء مالية الاتحاد الأوروبي في بروكسل مسار المفاوضات التشريعية الخاصة بإصلاحات الأسواق، التي تأمل البورصات أن تتضمن قيودًا جديدة على تداول الأسهم خارج المنصات المفتوحة.
ويركز الخلاف بشكل أساسي على ما يعرف بـ”التداول المظلم”، أو انتقال جزء متزايد من عمليات بيع وشراء الأسهم إلى أنظمة تداول خاصة تديرها البنوك الاستثمارية، وتُعرف تقنيًا باسم “المتعاملين الداخليين المنهجيين” (Systematic Internalizers)، وهي منصات تخضع لمستويات شفافية أقل مقارنة بالبورصات العامة.
وترى البورصات أن توسع هذه الأنظمة أدى إلى سحب جزء كبير من التداولات بعيدًا عن الأسواق المفتوحة، ما أضعف قدرتها على جذب الشركات والمستثمرين. في المقابل، تعتبر البنوك الاستثمارية الكبرى، من بينها غولدمان ساكس وجي بي مورغان، أن القضية تحمل أبعادًا سياسية أكثر من كونها مشكلة تنظيمية، وتعارض فرض قيود جديدة على هذه الأنظمة.
ويشير التقرير إلى أن البنوك تضغط للحفاظ على نموذج التداول الخاص، معتبرة أنه يوفر سيولة أكبر للسوق الأوروبية ويمنح المستثمرين خيارات أكثر كفاءة. بينما تقول البورصات إن هذه الممارسات تهدد شفافية الأسواق العامة وتضعف دورها التقليدي في تمويل الشركات.
وتأتي هذه المواجهة في ظل مساعٍ أوروبية لإنشاء سوق مالية أكثر تكاملًا وقدرة على منافسة السوق الأميركية، خصوصًا في أكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي. وتخشى بروكسل من استمرار توجه الشركات الأوروبية إلى الولايات المتحدة بحثًا عن أسواق أعمق وفرص تمويل أكبر.
ووفق التقرير، تضاعفت حصة التداول عبر المنصات الخاصة من نحو 10% بين عامي 2022 و2025، في حين تراجعت حصة التداول عبر البورصات العامة من 39% إلى 26% خلال الفترة نفسها.
وتربط البورصات بين تراجع عمليات الإدراج في أوروبا وانتشار التداولات خارج الأسواق العامة، معتبرة أن إعادة جزء أكبر من الصفقات إلى المنصات المفتوحة قد تساعد في تعزيز جاذبية الأسواق الأوروبية.
في المقابل، ترفض البنوك هذا الطرح، وترى أن مشكلة انتقال الشركات الأوروبية إلى الولايات المتحدة مرتبطة بعوامل أوسع، مثل عمق أسواق رأس المال الأميركية والبيئة الاستثمارية، وليس بسبب توسع أنظمة التداول الخاصة.
وبين رغبة البورصات في استعادة نفوذها ودفاع البنوك عن نموذج التداول الحالي، تتحول قضية “التداول المظلم” إلى معركة أوسع حول مستقبل النظام المالي الأوروبي وقدرته على المنافسة عالميًا.




